عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
427
اللباب في علوم الكتاب
و « عِنْدَ رَبِّهِمْ » حال من « دار » ويجوز أن ينتصب « عند » بنفس « السّلام » ؛ لأنه مصدر ، أي : يسلّم عليهم عند ربّهم ، أي : في جنّته ، ويجوز أن ينتصب بالاستقرار في « لهم » . وقوله : « وَهُوَ وَلِيُّهُمْ » يحتمل أيضا الاستئناف ، وأن يكون حالا ، أي : لهم دار السلام ، والحال أن اللّه وليّهم وناصرهم . « وَبِما كانُوا » الباء سببيّة ، و « ما » بمعنى الّذي ، أو نكرة أو مصدريّة . فصل في معنى السلام قيل : السّلام اسم من أسماء اللّه - تعالى - والمعنى : دار اللّه كما قيل : الكعبة بيت اللّه ، والخليفة عبد اللّه . وقيل : السّلام صفة الدّار بمعنى : دار السّلامة ، والعرب تلحق هذه الهاء في كثير من المصادر وتحذفها ، يقولون : ضلال وضلالة ، وسفاه وسفاهة ، ورضاع ورضاعة ، ولذاذ ولذاذة . وقيل : السّلام جمع السّلامة ، وإنّما سمّيت الجنّة بهذا الاسم ؛ لأن أنواع السّلامة بأسرها حاصلة فيها ، وفي المراد بهذه العنديّة وجوه : أحدها : أنّها معدّة عنده كما تكون الحقوق معدّة مهيأة حاضرة ؛ كقوله : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ البينة : 8 ] . ثانيها : أن هذه العنديّة تشعر بأن هذا الأمر المؤخّر موصوف بالقرب من اللّه - تبارك وتعالى - ، وهذا ليس قرب بالمكان والجهة ، فوجب كونه بالشّرف والرّتبة ، وذلك يدلّ على أن ذلك الشّيء بلغ في الكمال والرّفعة إلى حيث لا يعرف كنهه ، إلّا أنه كقوله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [ السجدة : 17 ] . وثالثها : هي كقوله في صفة الملائكة : وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ [ الأنبياء : 19 ] ، وقوله : « أنا عند المنكسرة قلوبهم » « 1 » ، و « أنا عند ظنّ عبدي بي » « 2 » ، وقال - تعالى - : فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 55 ] ، وقال : جَزاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ [ البينة : 8 ] وكل ذلك يدلّ على أنّ حصول كمال صفة العنديّة بواسطة صفة العبوديّة . وقوله : « وَهُوَ وَلِيُّهُمْ » يدل على قربهم من اللّه ؛ لأن الوليّ معناه القريب ، لا وليّ لهم إلّا هو ، ثم قال : « بِما كانُوا يَعْمَلُونَ » ؛ وإنما ذكر ذلك لئلّا ينقطع العبد عن العمل .
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفا ( 1 / 203 ) وقال : قال في المقاصد : ذكره في البداية للغزالي وقال القارئ عقبه : ولا يخفى أن الكلام في هذا المقام لم يبلغ الغاية . ( 2 ) تقدم تخريجه .